تستعيد المؤسسة اللبنانية للإرسال «LBCI» هذه الأيام شريط أربعة عقود ونيف من حضورها الذي رسم ملامح الإعلام المرئي في لبنان والمنطقة. فقد احتفلت المؤسسة قبل أيام قليلة بعيدها الـ 41، مسترجعةً حقبةً ذهبية نجحت فيها بفرض نفسها كمنارة إعلامية وترفيهية بلا منازع. وعلى امتداد عقود، ارتبط اسم القناة بأضخم الإنتاجات والبرامج التي استقطبت الملايين من المحيط إلى الخليج، بدءاً من ظاهرة «ستار أكاديمي» التي أحدثت ثورة في عالم برامج الترفيه وتلفزيون الواقع، وصولاً إلى برامج الألعاب والمسابقات الضخمة مثل «حلها واحتلها» وغيرها من الأعمال التي صاغت مفهوم الإنتاج التلفزيوني الضخم في العالم العربي.
وفي سياق مواكبتها للمناسبات الفنية الكبرى، تستعد الشاشة اللبنانية لنقل حفل توزيع جوائز «Murex D’Or» المرتقب في الخامس من أيلول القادم. وترافق القناة الحدث عبر برنامج «The Road to Murex D’Or» الذي يستضيف نخبةً من نجوم الفن والإعلام للحديث عن كواليس التكريمات والإعداد لهذا الحدث الفني السنوي البارز، في محاولة للحفاظ على طابعها كمنصة أولى للفن والترفيه في لبنان.
غير أن هذا المشهد لا يخلو من ظلال أزمات وتغيرات بنيوية طالت جسم القناة الإعلامي؛ إذ شهدت «LBCI» في الآونة الأخيرة موجة نزيف صحفي وإعلامي حاد، تمثلت في مغادرة مجموعة من أبرز وجوهها وصحفييها الذين انتقلوا للاندماج في شبكات إخبارية عربية كبرى، مما ترك فراغاً كبيراً في شاشتها التي طالما رفدت الإعلام العربي بأسماء وازنة.
وفي سياق هذا التحول، يلاحظ عدد من المتابعين والمراقبين للشأن الإعلامي تغيراً ملحوظاً في طبيعة بعض المضامين التي تقدمها القناة خلال الفترة الأخيرة، مع تزايد الاعتماد على المقاطع الساخرة والمحتوى المُنتج باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي، بما يبدو أنه يهدف إلى جذب الانتباه وتحقيق انتشار وتفاعل سريع على المنصات الرقمية. وقد برز ذلك بشكل خاص في الفيديو الذي تناول قضية «شروق ودكتور فود»، والذي أثار انتقادات بسبب الأسلوب والمضمون، إذ رأى فيه منتقدون ابتعاداً عن المستوى المهني الذي ارتبط تاريخياً بصورة الشاشة ومكانتها في الإعلام اللبناني والعربي. ويأتي ذلك في وقت يرى فيه بعض المتابعين أن السعي إلى مواكبة طبيعة المحتوى الرقمي وآليات جذب الجمهور لا ينبغي أن يكون على حساب الرصانة الإعلامية، ولا أن يحوّل المنصة إلى مساحة للتعليق الشخصي أو السخرية من الأحداث والشخصيات، بما قد يطمس الحدود بين المحتوى الإعلامي المهني والمادة الترفيهية، ويترك انعكاسات سلبية على الصورة والمكانة اللتين راكمتهما القناة على مدى عقود.
على الرغم من الملاحظات والتحديات التي تواجهها القناة في المرحلة الراهنة، فإن الـ «LBCI» لا تزال تستفيد من رصيد مهني وتاريخي طويل، ومن حضور راسخ في المشهدين الإعلامي والثقافي اللبناني، ما أسهم في تكوين قاعدة واسعة من المتابعين والحفاظ على مكانة مؤثرة في الإعلام اللبناني. وفي السنوات الأخيرة، ولا سيما في تغطيتها للاستحقاقات والأحداث الداخلية، اتجهت القناة بصورة أوضح نحو اعتماد خطاب إعلامي أكثر توازناً، يقوم على عرض مواقف مختلف الأطراف وإفساح المجال أمام تعدد الأصوات، بما عزز قدرتها على مخاطبة جمهور متنوع في انتماءاته السياسية والاجتماعية.
وقد ظهر هذا التوجه بشكل لافت خلال مواكبة «LBCI» لأحداث «17 تشرين» عام 2019، حين بادرت إلى تغطية الحراك منذ أيامه الأولى، وواصل مراسلوها نقل التطورات من مختلف المناطق اللبنانية. كما حافظت القناة خلال تلك الفترة على حضور ميداني واسع، وفتحت مساحة كبيرة لتغطية الاحتجاجات ومواقف المشاركين فيها، الأمر الذي ساهم في تعزيز حضورها لدى شريحة واسعة من متابعي الحراك وخارجه.
وإلى جانب دورها الإخباري، تمتلك القناة حضوراً لافتاً في الترويج للبنان وإبراز مقوماته السياحية والثقافية والتراثية، من خلال برامج وتقارير تسلط الضوء على مناطقه ومعالمه ووجهه الحضاري. ويكتسب هذا الدور أهمية خاصة في ظل الأزمات المتلاحقة التي يمر بها لبنان، إذ تساهم هذه المساحة الإعلامية في الحفاظ على صورة البلد كوجهة سياحية وثقافية، وإبراز عناصره الإيجابية بعيداً عن المشهد السياسي والأمني الذي غالباً ما يطغى على التغطية الإعلامية للبنان.


